جلال الدين الرومي
152
فيه ما فيه
قد سقط في الماء وسيتسبب في البرودة لك فأمسكه فبحث الأستاذ عن سبب البرودة حتى يمسك بالفراء ، واصطدم دب حاد المخالب بالأستاذ ، فأصبح الأستاذ أسير الدب في الماء ، فصاح الأطفال قائلين : أيها الأستاذ تمسك بالفراء وإن لم تستطع اتركه وتعال أنت ، قال الأستاذ أنا أترك الفراء . ولكن الفراء لن يتركنى ، فماذا أفعل ؟ ومتى يتركك الاشتياق للحق وهنا موضع الشكر ، وليس الأمر بأيدينا ولكن بيد الحق ، مثل الطفل لا يرضع في الصغر سوى لبن الأم ، ولم يتركه الحق تعالى قط ، وكم أتى به إلى تناول الطعام واللهو وأتى به من عالم الرحم إلى مقام العقل ، وهكذا فإن الحق لم يترك هذا الطفل إلى ذلك العالم أو إلى ثدي الأم وهو ينبهك أن هذا كان طفلا ولم يكن شيئا ( فعجبت من قوم يجرون إلى الجنة بالسلاسل والأغلال خذوه فغلوه ثم النعيم صلوه ثم الوصال صلوه ثم الجمال صلوه ثم الكمال صلوه ) ومثل ذلك الصيادين لا يجذبون السمكة دفعة واحدة ، فإذا أمسكت السنارة في الحلقوم تترك حتى يسيل دمها وتضعف ويتركونها ثانية ويجذبونها حتى تضعف ثانية وهكذا تفعل سنارة العشق في آمال الإنسان ؛ إذ إن الحق تعالى يشده بالتدريج حتى تضعف قواه وتسيل دماء الباطل وتخور تلك القوى فيه شيئا فشيئا . وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ سورة البقرة : الآية 245 ] ، وهذا هو إيمان العامة ، أما إيمان الخاصة فهو ، لا إله إلا هو ، وذلك كأن يرى شخص في المنام أنه أصبح ملكا وجلس على العرش وقد اصطفى حول العلماء والحراس والأمراء وهو يقول لنفسه أنا الملك ولا يوجد ملك غيرى ويقول هذا في المنام فإذا استيقظ ولم ير أحدا في البيت سوى نفسه ،